ابراهيم بن عمر البقاعي
223
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
البنوة ؛ أكدها بما يقتضيه حالها ، فجعلها في قصتين ، ذكر إحداهما هنا إدخالا لها في حكم الوصية المفروضة ، وختم بالأخرى السورة لأن الختام من مظنات الاهتمام . ولما كانت قرابة الأم أضعف من قرابة الأب قدمها هنا دلالة على الاهتمام بشأنها ، وأن ما كانوا يفعلونه من حرمان الإناث خطأ وجور عن منهاج العدل ، فقال تعالى : وَإِنْ كانَ أي وجد رَجُلٌ يُورَثُ أي من ورث حال كونه كَلالَةً أي ذا حالة لا ولد له فيها ولا والد ، أو يكون يورث من : أورث - بمعنى أن إرث الوارث بواسطة من مات كذلك : لا هو ولد للميت ولا والد ، ووارثه أيضا كلالة لأنه ليس بوالد ولا ولد ، فالمورث كلالة وارثه ، والوارث كلالة مورثه ؛ قال الأصبهاني : رجل كلالة ، وامرأة كلالة ، وقوم كلالة ، لا يثنى ولا يجمع ، لأنه مصدر كالدلالة والوكالة ، وهو بمعنى الكلال ، وهو ذهاب القوة من الإعياء ، وقد تطلق الكلالة على القرابة من غير جهة الولد والوالد ، ومنه قولهم : ما ورث المجد عن كلالة أَوْ وجدت امْرَأَةٌ أي تورث كذلك ، ويجوز أن يكون ( يُورَثُ ) صفة ، و ( كَلالَةً ) خبر كان وَلَهُ أي للمذكور وهو الموروث على أي الحالتين كان . ولما كان الإدلاء بمحض الأنوثة يستوي بين الذكر والأنثى لضعفها قال أَخٌ أَوْ أُخْتٌ أي من الأم - بإجماع المفسرين ، وهي قراءة أبيّ وسعد بن مالك رضي اللّه عنهما فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ أي من تركته ، من غير فضل للذكر على الأنثى . ولما أفهم ذلك - أي بتحويل العبارة المذكورة من أن يقال : فله السدس - أنهما إن كانا معا كان لهما الثلث ، وكان ذلك قد يفهم أنه إن زاد وارثه زاد الإرث عن الثلث نفاه بقوله : فَإِنْ كانُوا أي ما أفهمه ( أخ أو أخت ) من الوراث منهم أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ أي واحد ، كيف كانوا فَهُمْ شُرَكاءُ أي بالسوية فِي الثُّلُثِ أي المجتمع من السدسين اللذين تقدم أنهما بينهما ، لا يزادون على ذلك شيئا ، ثم كرر الحث على مصلحة الميت بيانا للاهتمام بها فقال : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ . ولما كان الميت قد يضار ورثته ، أو بعضهم بشيء يخرجه عنهم ظاهرا أو باطنا كأن يقر بماله لأجنبي ، أو بدين لا حقيقة له ، أو بدين كان له بأنه استوفاه ؛ ختم الآية بالزجر عن ذلك بقوله : غَيْرَ مُضَارٍّ مع ما تقدم من الإشارة إلى ذلك أول القصة بقوله لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً [ النساء : 11 ] ؛ قال الأصبهاني : والإضرار في الوصية من الكبائر . ثم أكد ذلك بقوله مصدرا ليوصيكم : وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ أي الذي له الأمر كله مع تأكيده بجميع ما في الآيات تعظيما للأمر باكتناف الوصية بأولها وآخرها ، وهو دون الفريضة في حق الأولاد ، لأن حقهم آكد .